محمد حسين الذهبي

233

التفسير والمفسرون

حقيقة السحر وكيفية تأثيره في المسحور وذلك حيث يقول ( . . . والسحر اسم لقول أو فعل أو نقش في صفحة يؤثر في عالم الطبع تأثيرا خارجا عن الأسباب والمعتاد ، وذلك التأثير يكون بسبب مزج القوى الروحانية مع القوى الطبيعية ، أو بتسخير القوى الروحانية بحيث تتصرف على إرادة المسخر الساحر ، وهذا أمر واقع في نفس الأمر ليس محض تخييل كما قيل . . . وتحقيقه أن يقال : إن عالم الطبع واقع بين الملكوت السفلى والملكوت العلوي كما مر ، وأن لأهل العالمين تصرفا بإذن اللّه عالم الطبع بأنفسهم ، أو بأسباب من قبل النفوس البشرية ، وأن النفوس البشرية إذا تجردت من علائقها ، وصفت من كدورتها بالرياضات الشرعية أو غير الشرعية ، وناسبت المجردات العلوية أو السفلية ، تؤثر بالأسباب أو بغير الأسباب في أهل العالمين بتسخيرها إياهم ، وجذبها لهم إلى عالمها ، وتوجيههم في مراداتها شرعية كانت أو غير شرعية . وإذا كان التأثير كان من أهل العالم السفلى تسمى أسبابه سحرا ، وقد يسمى ذلك التأثير والأثر الحاصل به سحرا ، وإذا كان من أهل العالم العلوي يسمى ذلك التأثير والأثر الحاصل به معجزة وكرامة ، وقد تتقوى في الجهة السفلية أو العلوية فتؤثر بنفسها من دون حاجة إلى التأثير في الأرواح ، ويسمى ذلك التأثير والأثر أيضا سحرا ومعجزة . فالسحر هو السبب المؤثر في الأرواح الخبيثة الذي خفى سببيته ، أو تأثير تلك الأرواح وآثارها في عالم الطبع بحيث خفى مدركها ، ثم أطلق على كل علم وبيان دقيق فلما يدرك مدركه ، ويطلق على العالم بذلك العلم اسم الساحر ، ومنه « يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ » على وجه . . فيستعمل على هذا في المدح والذم ) اه « 1 » . وفي الآية ( 4 ) من سورة الفلق نجده يعترف أيضا بالسحر ويروى أن الرسول سحر بيد لبيد بن الأعصم وذلك حيث يقول : ( « ومن شر النفاثات في العقد » أي من شر النفوس اللاتي يعقدن على الشعور والخيوط ، وينفثن

--> ( 1 ) ج 1 ص 68